أنا بنت ضرغام بقلم جهاد نوار

  أنا بنت ضرغام

بقلم :جهاد نوار


ما بين النهر غربا ،و البحيرة شرقا،و قنالهما جنوبا،و رائحة البحر المالح شمالا،حيث يصب فيه نهر النيل كل يوم ،بعد رحلته الممتدة لألاف السنين...


هنا على أرض قريتى الساحلية، وٌلدت،و نشأت فى حضن أسرتى الأولى،و التى استقيت منها

الجمال،و فنون الإبداع،الذى شاركونى فيه دون أن يشعرون بى...


و كم كنت أتمنى لو أنهم يعيشون الآن،ليروا

حصاد ما زرعوه فى قلبى،و عقلى ،و خاطرتى

فأنا بنت النيل،من قرية ضرغام،لأب ذو فكر

راقى،و ثقافة غير محدودة..


كان دائم الترحال بين القارات،بدأت صداقتنا

منذ أن وعيت معنى كلمة بابا فى الحياة،و أم ذات حُسن،و بهاء شكلا،و نفسا،كانت أختى، و صديقتى الأولى،و معلمتى،الأولى لكل ما يثقل شخصيتى،و جدتى لأبى،الهانم الأنيقة المتفردة فى كل شئ فهى فنانة من نوع خاص.

لأنها تجيد فنون الطهى،و تصميم الأزياء، سرد القصص،و الحكايات،و تحفظ من الشعر ما أثرت به روحى،و حين أنام فى حضنها اسمع منها اذكار المساء،و الصباح..


بين هؤلاء عشت فى بيت العائلة،معنا عمى الأصغر،و عمتى الأصغر منه،و بنات يعملن

لدى جدتى،فكنت دوما المدللة،التى يحملها الجميع،فأنا الحفيدة الأولى،و لى كل الاهتمام.


كان الجو العام حولى يتيح لى أن أسافر بالخيال لدينا الراديو،و التلفاز،و الكثير من الكتب،و المجلات اليومية،و الأسبوعية

مع حكايا الجدة،و والدتى قبل النوم،و أثناء النهار،حكايا عم قصص الأنبباء،و حكايا من التراث،و حكايا والدى عن رحلاته،و عن فترة

الجيش،و ذكرياته.


و عندما بدأت أجيد الكتابة،كانت خطاباته لوالدتى شرارة البدء الكبرى،فى عشقى للورق

و الإمساك بالقلم،فقد تم ترشيحى للرد على رسائله،و كتابة عنوان كل دولة يذهب لها

خاصة بعدما تعلمت الانجليزية بالصف الأول الإعدادى،فكنت بين كتب المدرسة،و بين رسائل والدى،و جرائده،أعيش عالما جميلا


منه تعلمت كيف أكتب رسالة،فقد كان خطه جميلا،و أسلوبه أجمل،و أذكر أن أولى خطابات بيدى له،كانت فى الصف الثانى الابتدائى،ردا على خطابه،مما جعله يهدينى قلمه الباركر الأسود،ذو الحِبر الازرق الجميل.


لأكتب به واجباتى المدرسية بعدما سمحت لنا المَدرسة بترك القلم الرصاص،و الكتابة بالقلم الجاف،فكافأنى أبى،بقلمه ذو السِن الذهب لتميزى،و تفوقى فكنت من الخمس الأوائل فى الفصل.


من هنا بدأت حكايتى مع القلم،فكان هو أهم أدواتى فى حياتى اليومية،به أكتب واجبى

و به أخُط مذكراتى اليومية،عن مَدرستى أستاذى،زميلاتى،والدى،و والدتى...


و بدأت رحلتى مع الحرف من خلال تدوين

الأشعار التى تقولها جدتى ضمن حكاياتها لنا،

فكتبت أول كلمات على غلاف كتاب التربية الدينية بالصف الرابع،و توالت الكتابات،فكان

أول بيت شعر خاص بى أنا كجهاد ،كتبته فى الصف الخامس ،أصف نفسى كزهرة فوق الربا

نمت على خرير النهر فذابا..


و هكذا،تكونت لدىّ الشاعرة،أو وُلدت بداخلى

فتاة أخرى تعيش معى،فى خيالى ،تجوب

الأماكن،و الدروب،ترحل بعيدا حد السماء

و تسافر عبر الفضاء،و تسكن القصور،و تفترش الحدائق،و تعتلى الشُرفات،ترقص،و تغنى

و تكتب،و تكتب....


فكل ما حولى يُغرينى بالحكى،و الوصف،و التوثيق،خاصة أننى عشقت القراءة،و التهام الكتب،و أى ورقة تقع فى يدى كأنها كَنز ثمين 


فأخطفها،و أخبؤها فى حقيبتى،أو داخل كتبى،فكونت مكتبة خاصة بى،عنوانها ممنوع اللمس،فبها عالمى الخاص لا يجرؤ على دخوله سواى..


و كم ساعدتنى والدتى فى هذا،فكانت توفر لى سُبل الانفراد بذاتى كى اقرأ،و أكتب،فى رقابة من بعيد،كملاك حارس أمين.


و ظل قلمى،و أوراقى،هما الأقرب لى دائما معى،فى كل وقت،بهما أدون أفراحى،و ألامى

فكان قلمى هو أول المستمعين لشكواى،و أول

المتحدثين بلسانى عن كل ما يختلج به صدرى

كان صديقى الصدوق لم يخذلنى يوما،و لا أوراقى،فلم تتمرد علىّ لحظة،بل كانت ممهدة لى،فى كل سطر تتسع لبَوحى،و تتلون بمدادى

و تُخفِى بينها أسرارى...


و كانت والدتى هى أول قارئة لى،فكثيرا ما كنت أقرأ عليها ما أكتبه،رغم أنها كانت أُمية لا تقرأ،و لا تكتب بطلاقة،فقد علمتنى كيف اكتب

أمل،و عمر،و تابعتنى منذ الحضانة حتى نهاية

مراحل التعليم،و كأنها ترى فىَّ نفسها،و لم أخذلها يوما كنت لها،و بها،اقرأ لها ما تحب

و أترجم لها ما تشاهد من أفلام أحنبية،أو مسلسلات تتابعها بشغف،فهى مثقفة،واعية

تهتم للشعر،و لسماع البرامج الدينية،و تتابع

البرامج العلمية،لا أبالغ إن قلت عنها كانت موسوعة شاملة،فهى التى جعلتنى أعشق القراءة،و الكتابة،و أكون الكاتبة،الشاعرة.


هى التى كونت لدى حُسن الذائقة الفنية لأنها كانت تعشق الغناء،و من متابعتى معها أحببت

هذا الفن،فكان لها الفضل أن أكتب الشعر الغنائى أيضا كمرحلة جديدة.


لذا لن تخلو كتابتاتى عن ذكرها،فهى رفيقتى

حتى الصبا،ما فرقنا سوى أننى صرت زوجة

فقبل هذا كانت كل حياتى،توفاها الله بعد زواجى بأعوام ثلاث،لكنها لا تفارقنى حتى الموت.


كم جلسَت على الأرض بجوار مقعدى لتعلمنى كيف أكتب،و كيف أذاكر لأنال النجاح،و أظل من المتفوقين،و كم جاءتنى لتَسمعنى أقرأ الشعر بصوت عالٍ،و هى سعيدة بى.


و كم منحتنى الهدوء،لأكتب خواطرى،و هيأت لى المكان،و الوقت،بإبعاد أخوتى عنى فتشغلهم بالتلفاز،و برامج الأطفال،وتتركنى لدنيايا أسرح فى عالمى الخاص،مع كتبى،و لُعبى التى أحضرها لى والدى،و خيالى.


فالخيال كان عنوان المرحلة،و فيه تذوقت حلاوة التغريد بعيدا عن كل مُنغصات الحياة

كنت أشعر بالراحة حين أكتب مذكراتى،أو اشعارى التى وُلدت من رحم الألم أحيانا فأهرب لعالم مختلف عما حولى،أغمض عينايا

و أذهب فى رحلة تنقى روحى مما يزعجنى

أتحدث مع شخصيات تشبهنى،فقد عشت بين

أخوتى البنين،البنت الوحيدة،فافتقدت الأخت

سنينا،و لما أتت كان الفارق بيننا سنوات كثيرة

لذلك كانت الكتابة هى دوائى من الوحدة عبر

الخيال الواسع.


و كان القلم مِفتاحى الخاص لولوج هذا الخيال لأبنى فيه أحلامى ،و أُعبِد فيه دروبى،فأشُق أنهارا،و بحارا لى فقط،منها أنهل عذب الكلام  من روعة التعبير،و أرسم عالمى الخاص

بألوانى الأكثر خصوصية...


و لم يخرج من المشهد أبى،و لا جَدتى فلكل منهما موقع،و مكانة لا تقل عن مكانة والدتى

كتبت عنها فى مقالات أخرى..و سأكتب أيضا.


فأنا بنت أمى،و أبى،و جَدتى لأبى،و بنت قريتى ،و نيلها،و بحرها،و بُحيرتها،و قنالها

و رفيقة قلمى،و أوراقى،و خواطرى...و عن البحيرة لى حديث أيضا،عن جدو عبده والد والدتى ،و بيته الذى كان يطل على ترعة ،و خلفها البُحيرة،و حديث عنهم.


كل هؤلاء هم بفضل الله،كونوا شخصيتى التى أنا عليها اليوم،و إن تغيرت قليلا بحكم الزمن

و النضوج الحتمى،الذى بصرنى بما كنت أجهله


لكن تظل بداخلى تلك الطفلة الجميلة،ذات الضفيرة،و القُصة المنسدلة على جبينها،و كلها براءة ،و خجل،تحمل قلبا صافيا،يحيا بالأمل

تخطو برشاقة الفراشة ذات الأجنحة المفرودة

لأنها تعشق الحرية،و تكره الحصار...


أنا قصةٌ بدأت من الخيال،ثم خرجت للواقع

و اصطدمت بحقيقة الحياة،كم تعثرت،و كم

استعدت قواى من جديد،لأننى لا أيأس من المحاولات،بل أعشق التصميم،و الإصرار على مواجهة الصعاب،فقد اتخذت نصيبا من اسمى ،فأنا جهاد،و فى جهاد دائم،و الحمد لله 


فأنا بنت ضرغام ،ضرغامية الصمود،و البقاء

قلمى هو سلاحى الأقوى، هو حياتى الأبقى،فهو الذى يُخلد اسمى حتى بعد وفاتى،هو الذى يضعنى على قائمة الأدباء،و الشعراء حين يذكرون اسمى،فضلا من الله، و نعمه علىّ أنه سخر لى هذا القلم،فبه ارتقيت،و به تواجدت،و به أحيا فى قلوب المحبين،و القارئين لى 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وجوه مشرقة فى تحدى القراءة العربى متابعة جهاد نوار

مصر على مر التاريخ بقلم /أمل الشهاوى

العروبة أم الإسلام بقلم/ جهاد نوار