دروع من ورق بقلم جهاد نوار

 دروعٌ من ورق.. حين يرتدى "النفعىُّ" ثوبَ المبادرات

كتبت: جهاد نوار

عضو اتحاد كتاب مصر


​فى المشهد العام، ثمة ظاهرة باتت تطل برأسها بوضوح، تثير الكثير من التساؤلات حول مفهوم "العمل العام"، و"المبادرات المجتمعية". 


إنها ظاهرة "حُمى التكريمات" التى تحولت من تقديرٍ مستحق للمتميزين إلى "تجارة مقايضة" معنوية، حيث يتسابق القائمون على كيانات ،و مبادرات —أحياناً بلا سجل مهنى يُذكر— لتوزيع الدروع ،و الشهادات على بعض من رجال الإدارة، و مسؤولى الدولة.

.. 

حيث تحولت "احتفاليات التكريم" من وسيلة لتقدير المتميزين إلى أداة لنسج العلاقات الشخصية وتأمين المصالح الضيقة. نجد بعض القائمين على هذه الكيانات يتسابقون لتنظيم فعاليات تمنح الدروع والشهادات حصريا لأصحاب القرار.


فظهرت ​فوضى "البروتوكول"إن ما يثير الدهشة ليس فعل التكريم فى حد ذاته، بل "عَبثية المشهد" ،و بروتوكولاته المختلة؛ إذ كيف يستقيم منطقياً،و قانونياً أن يقوم فردٌ، لا يملك من الصفة العلمية أو الوظيفية سوى "مسمى تطوعي"، بتكريم رُتبة عسكرية رفيعة كـ "لواء شرطة"، أو عالم جليل بوزارة الأوقاف، أو وكيل وزارة رقابية كالتموين،أو فى الصحة؟


فأجهزة الدولة لها كياناتها الرسمية للتكريم،و هذه "المبادرات الخاصة" تسئ لهيبة المسؤول حين تضعه في موقف "المُكرَّم" من جهة غير ذى صفة.


لأن العُرف الإدارى، والوقار الوظيفى يقضى بأن يكون التكريم من الأعلى مقاماً أو من جهات اعتبارية رسمية موثقة، أما ما يحدث الآن فهو "تطاول بروتوكولى" يُقصد به الإيهام بنفوذ متخيل، فى محاولة بائسة لسرقة الضوء من هَيبة المنصب، و الاحتماء بظلال الرُتب.


​ستار "دعم الدولة"،و الأكثر خطورة فى هذه الظاهرة هو استغلال مسميات رنانة مثل "وحدات دعم رئيس الدولة" أو "كيانات المساندة الشعبية". 


هؤلاء يتخذون من اسم الدولة ،و رمزها "ستاراً" لفتح الأبواب المغلقة، و تصوير أنفسهم كـ "مفضلين" لدى الجهات السيادية. 


لا شك أن تكريم رجل الدولة على إخلاصه فى عمله هو واجب وطنى، و مجتمعي، لكن الإشكالية تكمن في "النية" ،والهدف من وراء هذا التكريم. عندما يركز مؤسس مبادرة أو صاحب كيان على فئات بعينها تملك سلطة الرقابة أو التنفيذ، فإنه غالباً ما يسعى لخلق حالة من "الحصانة غير المعلنة" أو التحول إلى "الشخص المفضل" لدى تلك الجهات، مما يسهل له تجاوزات أو يمنحه وجاهة اجتماعية يستخدمها لاختصار الإجراءات القانونية التى قد يخضع لها غيره.


إن دعم الدولة الحقيقى لا يكون بتوزيع قطع البلاستيك،و الخشب على المسؤولين فى مكاتبهم،أو قاعات الحفلات، بل يكون بالبناء، و الوعي،و احترام هيبة المؤسسات التى لا تحتاج أصلاً لشهادة صلاحية من "كيانٍ ورقى" ليثبت كفاءتها.


من مبدأ ​الغاية تُبرر الوسيلة،فإن خلف كل درع يُقدم لوكيل وزارة أو مسؤول، تختبئ غاية "نفعية"؛ فصاحب المبادرة يسعى لخلق "حصانة معنوية" توحى للمجتمع بأنه فوق المساءلة، أو أنه يمتلك "خطاً ساخناً" مع أصحاب القرار.


فى محاولة لخصخصة هيبة الدولة بتحويلها إلى "علاقات عامة" شخصية تُستخدم لاحقاً لاختصار إجراءات أو تحقيق وجاهة اجتماعية زائفة.


​كلمة حق،إن المسؤولين الشرفاء، قد يقبلون هذه التكريمات بحسن نية ظناً منهم أنها نبض الشارع، لكن الحقيقة أنها "فخ أدبى" يُنصب لاستغلال أسمائهم. لذا، وجب التنبيه..


 إن جداراً من "الدروع الزائفة" لن يحمى كياناً يفتقر للمصداقية، وإن قوة المبادرات تُقاس بتأثيرها الحقيقى على الأرض، لا بعدد الصور التى تجمع مؤسسيها بمسؤولى الدولة.


 نأمل أن يتوقف هذا العبث،من تلك الكيانات المُكرِمة، لتعد للمناصب هيبتها، و للوطنية نقاؤها بعيداً عن المتاجرة بالولاء 

فهذا سلوك مرفوض ،لأنه يأتى من شخص

ادنى تجاه شخص أعلى مما لا يمكن قبول

استمراره،


لأن الدولة القوية لا تحتاج لمنافقين يمنحون مسؤوليها دروعاً مُقَنعة ، بل تحتاج لمواطنين يحترمون القانون، و يقدّرون قيمة "التخصص". و لا يُمنح التقدير إلا لمن استحق بجهده، لا بفضل نفوذٍ متوهم أو تقربٍ مريب.

فخلف كل درع يُقدم لوكيل وزارة أو مسؤولٍ رقابى، تختبئ غاية "نفعية" واضحة. يظن حامل "الدرع" أو صاحب "الكيان الورقى" أنه بمجرد مصافحة المسؤول أمام الكاميرات قد حجز مكاناً فوق القانون ،و أنه بات "المفضل" الذى لا يُرد له طلب. 


إنهم يتاجرون بالولاء، و يحولون الانتماء الوطنى إلى "سبوبة" اجتماعية، متناسين أن الرتب العسكرية، و المناصب القيادية هى ملك للشعب، و الوطن، و ليست هدايا تُوزع في صالونات الكيانات،فهى دروع حماية،لا دروع وفاء.


أما عن قناع الشرعية..أى الإشهار فهو لا يعنى الوصاية، و علينا هنا أن نفكك هذا الالتباس الخطير؛ فكون الكيان أو المبادرة تملك (ورقة إشهار رسمية) لا يعنى أبداً أنها أصبحت جهة رقابية، أو مانحة لشهادات الثقة لمؤسسات الدولة. 


الإشهار هو تصريح بـ 'الخدمة' لا بـ 'السلطة'، و هو رخصة للعمل المجتمعى

و ليس  'توكيل رسمى' لتوزيع صكوك التميز على رجال الشرطة، أو وكلاء الوزارات. 


إن هؤلاء يستغلون (رقم الإشهار) كغطاء قانونى لتمثيلية لا تمت للعمل الأهلى بصلة، متناسين أن الجهة التى أشهرتهم هى نفسها جزء من جسد الدولة الذة يحاولون الآن 'تكريمه' فى مشهد بروتوكولي مقلوب."


.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إعادة تدوير قمامة صحفية بقلم الشاعرة المصرية جهاد نوار

مصر على مر التاريخ بقلم /أمل الشهاوى

العروبة أم الإسلام بقلم/ جهاد نوار